“الله يعمرك يا طنجة” الدعاء الشعبي شاهدا على تحرير المدينة في ذكرى المولد
تختلف أجواء الاحتفال بالمولد النبوي في مدينة طنجة عن نظيراتها من مدن المغرب، إذ تقترن المناسبة هناك بذكرى سيادية تعود إلى عام 1684، حين استعاد المغرب سيادته على المدينة بعد اثنين وعشرين عاما من الاحتلال البريطاني.
في لحظة تاريخية تزامنت مع يوم المولد الشريف، واكتسبت بعدها طابعا وطنيا وروحيا مركبا.
ومنذ عام 1678، أصدر السلطان المولى إسماعيل أوامره ببدء الجهاد ضد الإنجليز، فتجمّعت القبائل الشمالية بقيادة أحمد الخضر غيلان، وتولى القائد علي بن عبد الله الريفي الإشراف على الحصار، فيما قام فقهاء وعلماء – أبرزهم محمد الحاج البقال – بتحفيز الناس وشحذ الهمم من خلال حلقات الذكر والتوجيه الديني.
وأمام ضراوة الحصار وتعذّر الإمدادات وغياب الدعم الشعبي، قررت بريطانيا الانسحاب في خريف عام 1684، مخلفة وراءها مدينة شبه مدمرة، لتدخل القوات المغربية المدينة وتُعلن استرجاعها تزامنا مع ذكرى المولد النبوي، ما جعل الحدث يحمل طابعًا مضاعفًا من الرمزية والانتصار.
بعد التحرير، شهدت طنجة موجة استقرار جديدة، إذ توافدت إليها قبائل من الجنوب والشمال، كما برزت شخصيات روحية كان لها دور في إعادة صياغة النسيج الاجتماعي والديني للمدينة.
وهذا يعني أن تحرير طنجة وانتصارهم على الانجليز كان في شهر المولد النبوي الشريف الذي يصادف 12 ربيع الاول، وبالتالي فإن فرحة المنتصرين كانت فرحتين، فرحة النصر بفتح طنجة وفرحة بعيد المولد النبوي.
ومن بين هؤلاء، محمد الحاج البقال، المعروف بـ”سيدي بوعراقية”، والذي ظل اسمه مترددا في الأوساط الشعبية من خلال العبارة الشهيرة: “الله يعمرك يا طنجة”.
وتحول ضريح بوعراقية إلى مركز روحي، يحتضن مواكب احتفالية سنوية تعرف باسم “سابع المولد”، حيث تُقدَّم الهدايا وتُتلى الأوراد ويجوب المشاركون شوارع طنجة احتفاء بالمولد واستحضارا لذكرى التحرير.
ويمثل هذا الحدث محطة فاصلة أنهت قرونا من الاحتلال المتعاقب بين إسبانيا والبرتغال ثم بريطانيا، وأكدت الحضور السيادي للمغرب على إحدى أبرز حواضر شماله.
كما عززت صورة المولى إسماعيل كرمز للهيبة المركزية في الدولة العلوية، وكسلطان أعاد ترسيم حدود الدولة بمزيج من الشدة والرمزية الدينية.
حيث أن الجيوش المغربية عندما دخلت طنجة كانت المدينة خاوية على عروشها وأغلب بنايتها مهدمة، وبالتالي كانت تنتظر اياما من اعادة البناء والإعمار.
فإن السلطان المولى اسماعيل أمر الفاتحين بالشروع مباشرة في اعادة اعمار ما تم هدمه والاستيطان بالمدينة يوم دخولها.
يوم رحيل الانجليز
ففي سنة 1662 تزوج الملك الانجليزي الحاكم لإنجلترا واسكتلندا وايرلندا، تشارلز الثاني، أميرة البرتغال كاثرين دي برغانزا.
وكانت طنجة في هذه الفترة تحت الاحتلال البرتغالي، لكنها انتقلت إلى القبضة الانجليزية بعدما اتخذت كمهر كاثرين الثمين الذي أخذته معها إلى انجلترا كما تم الاتفاق بين الدولتين، فخلعت طنجة ثوبها البرتغالي الذي عمر طويلا ولبست الرداء الانجليزي الجديد سنة 1662.
تاريخيا، تعود جذور الاحتلال إلى سنة 1662، عندما انتقلت طنجة إلى التاج البريطاني ضمن شروط زواج الأميرة البرتغالية كاثرين من الملك الإنجليزي تشارلز الثاني.
وجاء تسليم المدينة كجزء من مهر الزواج من قبل التاج البرتغالي الذي كان يسيطر عليها، لتمثل قاعدة متقدمة للنفوذ البريطاني في جنوب البحر الأبيض المتوسط.
لكن التحديات العسكرية واللوجستية التي واجهتها القوات البريطانية، إلى جانب المقاومة المغربية المتصاعدة، دفعت لندن إلى مراجعة حساباتها.
تحت السيطرة البريطانية يسترجعها المولى إسماعيل. وعادت طنجة إلى حضن المغرب سنة 1684 بعد فقدان دام 213 عاما.
وبعد جلاء الانجليز عن طنجة سنة 1684 ، مات الملك الانجليزي تشارلز الثاني بعد فترة وجيزة، سنة 1685، وبوفاته تنحت الملكة كاثرين عن عرش انجلترا وانتهى عهدها هناك، فبدا ذلك وكأن قدرها كان مرتبطا بطنجة، ذلك المهر الثمين الذي أخذته معها إلى انجلترا وانتزعه منها المغاربة بعد 22 سنة.