حكاية السينما بتطوان
زمن حين كانت تطوان تنسج خيوط الجمال والمعنى في كل مناحي الحياة، وطبعا كانت الشاشة الفضية جزءا من تلك الحياة الحلوة.
تطوان محاولين استحضار أجواء عامة كانت تسود بفضاءات الحمامة البيضاء في علاقتها بالشاشة الفضية في الزمن الجميل.
كما هو معلوم؛ إن السينما كاختراع غربي دخلت إلى مدينة تطوان العامرة مع الاستعمار الإسباني شأنها في ذلك شأن مطبعة “المهدية” التي دخلت بدورها مجرورة على صهوات خيول الجيش الاسباني في حرب تطوان لسنة 1860.
الإسبان هم أول وربما آخر من شيد بمدينة الحمامة البيضاء قاعات سينمائية مذهلة ب “بالكونات “وأبراج شامخة تفوق جمالا وبهاء نظيراتها في اسبانيا وحتى ببعض الدول الأوروبية، ومنذ ذلك التاريخ نشأت بين جمهور تطوان الذواق وقاعات السينما علاقة حميمة استمرت طيلة عقود الزمن الجميل.
وتذكر الشهادات التاريخية أن التطوانيين والتطوانيات والأسر التطوانية وحتى بعض الشباب المنحدرين من قبائل جبالة روائع أفلام فريد إضافة إلى الأفلام الهندية والإسبانية والأمريكية .
وكانت تذكرة السينما تعتبر جزءا لا يتجزأ من المصروف الأسبوعي أو الشهري بالنسبة لرواد السينما في ذلك الإبان، سواء كانوا جنودا أو عمالا أو صناع حرفيين.
والغريب في الأمر أن مدينة تطوان التي لم تكن تتعدى ساكنتها 30 ألف نسمة كانت تتوفر على سبع قاعات سينمائية ضخمة، نذكر منها سينما المنصور، سينما المسرح الوطني والشهيرة عند التطوانيين بسينما المصلى الكائنة بالحي الذي كانت تسكن به الجالية الهندية المقيمة بتطوان آنذاك .
إضافة إلى سينما اسبانيول وسينما أبينيدا وسينما مونمنطال وقاعة “سيني ميسيون” وقاعة سينما الملكة “فكتوريا” بحي الباريو مالقا، وهي نوع من سينما القرب بالنسبة لأبناء تطوان الذين كانوا يسكنون خارج وسط المدينة.
أكثر من ذلك كانت هناك فضاءات سينمائية أخرى بالهواء الطلق أو ما يعرف بسينما فصل الصيف كما هو الحال بسينما الهواء الطلق بالحي الإسباني
كان الدخول إلى السينما بتطوان في “الزمن الجميل” له طقوسه الخاصة، وكان الأشخاص ينعمون بنوع من الحرية الشخصية والجماعية لأن الفضاء العام كان مهذبا وراقيا وغير مؤذ، فكان الشخص يخرج ليلا مرفقا بزوجته أو خطيبته للذهاب إلى السينما ويعود إلى منزله.
وكانت ساكنة تطوان العامرة عندما يريدون الذهاب إلى قاعات السينما يرتدون أفضل ما عندهم من ثياب وكأنهم مدعوون لحضور عرس أو حفل بهيج، فالرجال كانوا يرتدون بذلات أنيقة بربطات عنق زاهية الألوان وأحذية جلدية لامعة من شدة المسح، أما النساء والفتيات فكن يرتدين أفخر ملابس الموضة في ذلك العصر، مثل التنانير والسراويل الطويلة التي تشبه أرجل الفيلة “بانتاليفون”، والقمصان ذات الأعناق الطويلة، وتلك كانت تعتبر ملابس آخر صيحات الموضة في تلك الحقبة “الزاهية”.
إن ازدهار السينما بمدينة تطوان كان مرتبطا بوجود نوع نسبي من الحرية الشخصية في الفضاء العام، وبيئة بها نوع من مساحات الحرية والاحترام وقبول الآخر، قبل أن يتم تدمير هذه المكتسبات شيئا فشيئا مع نهاية الثمانينيات.
يرى مالك القاعات السينيمائية بتطوان “حسين بوديح” أن أسباب انقراض السينما بالمدينة يعود لعوامل تقنية وتكنولوجية فهو يقول أن السينما قتلت المسرح وأشرطة الفيديو و”السي يدي” ، قتلت السينما وهذا في تقديري نصف إجابة.
إن الزمن الجميل لفضاءات السينما بمدينة تطوان العامرة ونواحيها يمكن حصره ما بين سنة 1923 و سنة 1983،لأنه بعد أحداث الشمال سنة 1984 طفت على السطح ظاهرة قتل وتسميم أجواء الفضاء العام بالمفهوم.
وهكذا لعبت شرطة تطوان لما بعد سنة 1984 دورا كبيرا في تصلب شرايين الفضاء العام.
للسينما بمدينة تطوان العامرة، وضاع الزمن الجميل للشاشة الفضية، بعد أن تحول الفضاء العام إلى ما يشبه مستنقع آسن أو مقبرة جماعية تعيش بها أشباح وجثث تتحرك بلا معنى.
القاعات السينمائية لازالت قائمة بالدول المحترمة وعند الشعوب المتمدنة ،واستوديوهات هووليود وبوليود