قصر بيرديكاريس يفتح ابوابه
افتتح بالمنتزه الحضري بيرديكاريس (غابة الرميلات)، غرب بطنجة، مركز تعريف التراث “بيرديكاريس”.
وقد تم تحويل قصر بيديركاريس، الذي بناه المواطن الأمريكي من أصل يوناني، إيون بيرديكاريس، سنة 1878 في قلب غابة الرميلات لاستقبال زوجته المصابة بمرض السل، إلى متحف يجمع بين التعريف بهذه الشخصية التاريخية ويستعرض التنوع البيولوجي لهذه المنطقة وللجهة ككل.
“في أجمل مكان في العالم سأبني لك قصرا” لم يكن المكان الذي اختاره السياسي بيرديكاريس ليمارس رومانسيته ويمنح هدية لزوجته، سوى قلب “الرميلات” بطنجة بعد جولان طويل حول القارات الخمس، غابة مطلة على جبل طارق كانت عبارة عن “أمازون”، أشجار وأحراش ونباتات من كل الأشكال، ممرات طبيعية وملتوية، بقايا اثار من عمق التاريخ، غابة “بيرديكاريس” هي صندوق أسرار مغلق لم يفتح بالكامل.
بنى قصره الفخم فوق هضبة مرتفعة وغابة موحشة مما جعل الجميع يفترض امتلاكه “لميناء” استورد عبره المواد والأحجار التي استعملها في بناء سكنه الفخم.
المليونير والديبوماسي الأمريكي ذو الأصل اليوناني كان يعيش حلم الاستقرار رفقة زوجته الجميلة، قبل أن يقض مضجعه “ثعلب جبالة” أحمد الريسوني مختطفا زوجته ومحولا القصر من بناية إلى تاريخ قائم تحكي جدرانه قصة مشوقة، ثمرة حب بييرديكاريس لزوجته أصبح موقع صراع وبداية حروب ومطاردات.
المتمرد أحمد الريسوني الذي بسط سيطرته على مناطق جبالة كان بحاجة إلى المال لدعم تورثه مما جعله يفكر في زوجة بيريدكاريس كصيد ثمين ومر إلى الهجوم في ماي 1904 رفقة مقاتليه ليخطف الزوجة والابن “كرومويل” في لمح البصر قبل أن يختفوا عن الأنظار، اشترط على الزوج المجنون بحب زوجته 70 ألف قطعة ذهبية وخروج المخزن من نفوذه مما جعل القنصل يستنجد بالسلطان مولاي عبد العزيز وبالولايات المتحدة الأمريكية في عهد ” فرانكلين روزفيلت” لإنقاذ زوجته.
قصة الاختطاف صورت في فيلم شهير ” العاصفة والأسد” لعب فيه الممثل الإنجليزي شين كونري دور الريسوني، الفيلم يظهر الوجه الاخر للاختطاف وهو قصة حب للمرأة تجاه خاطفها بعد أن أعجبت بأخلاقه ونبله حيث كان يحميها وابنها كما لو كانت أسرته، اعتبرته مقاوما للوطن ضد الجبروت والطغيان. قصة الحب غير مؤكدة بينهما، لكن الأكيد أنها تعاطفت معه ولم تندم على فترة الاختطاف.
جنة بيئية أصبحت تنتقل من يد إلى أخرى من ملكية السفير السويسري بطنجة ثم إلى التهامي الكلاوي في عهد الحماية حيث كان يغير به أجواء مراكش، ثم إلى ملك الدولة سنة 1959 ليدخل بعدها في غياهب الإهمال بعد أكثر من قرن على بنائه بدون صيانة سوى من حارس.
المتحفي ببناية
ويتميز العرض المتحفي ببناية قصر بيدريكاريس، التي شيدت فوق ربوة تطل على مضيق جبل طارق وفق أسلوب معماري تركيبي يجمع بين الأسلوب الانجلوساكسوني والطراز الكلاسيكي الوسيط الذي يستحضر شكل قلاع أوروبا، بالغنى والتنوع، حيث يأتي افتتاح البناية في إطار فعاليات “شهر التراث”.
وقد خصص الطابق الأرضي من البناية لتقديم شخصية إيون بيرديكاريس وإقامته، كما يروي السياق التاريخي العام لطنجة الدولية والدبلوماسية والمتعددة الثقافات من خلال معرض لأشياء يومية وخرائط وصور فوتوغرافية.
بينما يبرز الطابق الأول التنوع والغنى البيولوجي الذي يميز غابة الرميلات من خلال عرض بيداغوجي مصور لبعض الأصناف النباتية والحيوانية للجهة، وكذا بعض الكائنات النباتية والوحيشية التي تميز غابة الرميلات، التي تعتبر كمحمية ذات أهمية بيولوجية وإيكولوجية، حظيت بالتهيئة كمنتزه طبيعي حضري.
إعادة توظيف هذا القصر، الراسخ بشموخه في الذاكرة الديبلوماسية والتاريخ السياسي لطنجة الدولية وللمغرب كمركز لتعريف التراث، تعد من أهم المشاريع الثقافية التي أنجزها قطاع الثقافة في إطار البرنامج الملكي طنجة الكبرى، بشراكة مع قطاع المياه والغابات، وتحت إشراف ولاية جهة طنجة تطوان الحسيمة، بتكلفة مالية ناهزت عشرين مليون درهم.
التراث بيرديكاريس يعتبر مؤسسة ثقافية متحفية تعنى بمجال التعريف بالتراث الطبيعي والثقافي لطنجة ولمنتزه بيرديكاريس بشكل خاص، ولمنطقة البوغاز بشكل عام، مبرزا أن المركز يعرف أيضا بالتنوع البيولوجي لطنجة وللجهة ولباقي المحميات بالمغرب ويرسم مسارات هجرة الطيور.
وأبرز المدير الجهوي للثقافة بطنجة-تطوان-الحسيمة، كمال بنليمون، في كلمة بالمناسبة، أن “أشغال الإصلاح والتأهيل والتجهيز التي استفادت منها هذه المعلمة التاريخية جعلها تنبعث من أنقاضها بعد عقود من الإهمال”، مبرزا أن توظيفها كمركز تعريف التراث يروم “إغناء البنيات الثقافية وتثمين دور التراث المعماري الأصيل منه والكولونيالي في ضخ دينامية جديدة في مسارات السياحة الثقافية للمدينة والجهة”.
وتم بهذه المناسبة عقد مائدة مستديرة حول “المحافظة على التراث المعماري” بتعاون بين المحافظة الجهوية للتراث وهيئة المهندسين المعماريين، والتي تم خلالها استعراض مجموعة من التجارب في تثمين وصون التراث المعماري والأثري بالجهة.