مركز الفن الحديث بتطوان يمد جسور الثقافة المغربية بين الماضي
لا زال مركز الفن الحديث بتطوان، منذ إحداثه في العام 2013، يضطلع بدور الحاضن والفاعل كذاكرة تشكيلية حية تمّد جسور الثقافة المغربية بين الماضي والحاضر في حالة من التوازن والتمازج تضمن للزائر رحلة بصرية قلما يجدها في فضاءات مماثلة.
ويعدّ المشروع أحد أهم رموز الذاكرة المشتركة والتعاون بين إسبانيا والمغرب، ويوجد ببناية محطة القطار القديمة بتطوان التي صمّمها المهندس المعماري خوليو رودريغيث رودا في مايو من العام 1918، والتي تجمع في أسلوبها بين المعمار المغربي الأصيل والمعمار الإسباني، وتم تأهيلها وتحويلها إلى مركز للفن الحديث في إطار التعاون الدولي بين وزارة الثقافة المغربية وحكومة الأندلس بوساطة من مؤسسة الثقافات الثلاث.
وفي جولة بالمركز الذي يحتوي على أكثر من مئتي لوحة تشكيلية وتسع عشرة منحوتة تطفح بحرارة الحياة، يقف المُشاهد على مجموعة من الأعمال التي تمثل التجربة الفنية التي احتضنتها مدينة تطوان عبر تاريخ الفنون التشكيلية المغربية، حيث إن المدينة كانت ولا تزال ملتقى للعديد من الفنانين الذين توافدوا عليها منجذبين بجمالها ومركزها الإبداعي المتميز.
وساهم في ترسيخ هذا المسعى إحداث المدرسة الإعدادية للفنون الجميلة بتطوان في العام 1945، من قبل مديرها الأول الفنان الغرناطي ماريانو برتوتتشي، وتأسّست بصفة رسمية في العام 1946.
وينقسم المسار المتحفي إلى أربعة فضاءات حسب التسلسل التاريخي وموضوعاتها المختلفة، وذلك عبر أعمال تحاول تقديم نظرة استعادية للذاكرة التاريخية المشتركة بين الأندلس والمغرب، وتقدّم للزائر رحلة بصرية وفنية تمتد لحوالي نصف قرن من الزمن، إذ تحتوي القاعة الأولى من البناية على نماذج فنية من مدرسة تطوان التشكيلية، وتضم المؤسّسين الرواد من سنة 1913 إلى سنة 1956، من بينهم الفنانون مريانو بيرتوتتشي ومحمد السرغيني وكارلوس كاييكوس.
وتحتوي القاعة الثانية على أعمال الفنانين المغاربة الذين أسّسوا للهوية التشكيلية المغربية من سنة 1956 إلى سنة 1979، ومنهم المكي مغارة وعبدالله الفخار وسعد بن سفاج. وتحاور أعمالهم الذاكرة المشتركة ومحاولة تجاوز التقاليد التشكيلية المنتمية إلى مرحلة الحماية الفرنسية، كما عملوا على تحديث التعليم الفني المغربي كأساتذة للمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، بجانب مدرسة الدار البيضاء التشكيلية التي أحدثت في العام 1952.
وعرف هذا الجيل بتنوّع أبحاثه وتعدّد اهتماماته الهادفة إلى إشعاع التشكيل المغربي، إذ توّجت مجهوداتهم وطموحاتهم بتأسيس الجمعية المغربية للفنون التشكيلية في العام 1972، التي لعبت دورا محوريا في التعريف بالفن المغربي على المستوى الدولي.
وتضم القاعة الثالثة التي انفتحت أعمالها على معارض الربيع، أعمالا من سنة 1979 إلى سنة 1993. وانطلقت هذه التجربة بحدث مهم تجلى في إقامة معرض الربيع سنة 1979، الذي نظمه أربعة فنانين، ثلاثة منهم حديثو العهد بالتخرج من معاهد أوروبية مختلفة، وكانت للمعرض العديد من الأهداف، في مقدّمتها انفتاح الفن على الجمهور الواسع من خلال العرض في الهواء الطلق بساحة الفدان.
وتحتوي القاعة الرابعة على التوجهات الجديدة للتشكيل منذ العام 1993 وإلى الآن، وتضم أعمال العديد من الأسماء الفنية، من بينها عادل الربيع ومونية التويس وبلال الشريف، قوامها التنوّع في التجارب والأساليب، ورغم خصوصية مشروعها المفاهيمي، إلاّ أنه يمكن اعتبارها استمرارا لتراكم الماضي وانطلاقة لجيل جديد من الاكتشاف التشكيلي المنفتح على الفن العالمي المعاصر المطبوع بالتحرّر الفكري والتقني.
أن من أهم الإيجابيات التي أغنت جمالية مدينة تطوان تنوّع عنصرها البشري، إذ استقطبت هذه الحاضرة سكان الجبل والريف والأندلس وفاس والجزائر واليهود والمسيحيين، وهو التنوّع الذي أنتج مجتمعا متحضرا ثقافيا واجتماعيا وفنيا.
ويستقطب مركز الفن الحديث بتطوان إلى جانب معرضه الدائم العديد من الورشات التربوية والمعارض المحلية والدولية، إلى جانب العديد من الأنشطة الفنية التي تهدف إلى تنمية ونشر الوعي الثقافي بين الأجيال، بالإضافة إلى تشجيع الطلبة على إثراء معلوماتهم وتنمية حب الاستطلاع لديهم عن طريق إقامة ندوات و لقاءات مفتوحة.