شواطئ تطوان الضائعة
في البدء كان بحر “تطوان الكبرى”، يمتاز بتوفره على شواطئ وخلجان، مياهه تشبه ألوان البلور”الأزوردي”، وتحاكي بصفاء منقطع النظير زرقة السماء.
بمثابة شهادة للتاريخ، عن كثبان رمال سانية الرمل الخضراء، كثبان كانت تلتحف بنبات شديد الخضرة، والذي كان يطلق عليه باللكنة الشمالية اسم “أنجوم دلبحر” لشكله الذي يشبه نجوم السماء، هذا النوع من الغطاء النباتي انقرض من جميع شُطآن شمال المغرب في السنين الأخيرة.
عن آبار”سانية الطريس” العذبة، عن عيون “كامبين سينكو” الصافية والباردة، عن أشجار ظلالها الوارفة، “أشجار البينيا”، حيث كانت العائلات التطوانية تنصب تحتها خيام للاصطياف لمدة طويلة، تصل في بعض الأحيان إلى ثلاثة أشهر، في تناغم تام مع البيئة والمجال.
نوع من الرمال الذهبية فقدناها إلى الأبد، رمال مكونة من صدف البحر المهروس بفعل عوامل المد والجزر، وهو نوع من المحار سحقته الأمواج، فصار يتلألأ كالذهب تحت أشعة الظهيرة، وهذا ما كانت تشتهر به تحديدا شواطئ “الرينكون” و” سانية الطريس” اللامعة.
الإسباني من شمال المغرب، ترك الشواطئ خالية من البناء، سواء البناء العشوائي أو الفاخر، فكانت مدينة الحمامة البيضاء ومنطقتها، ترفل في الخضرة الغناء تحت أشعة الشمس الذهبية، وتنعم بزرقة الشواطئ الساحرة على لمح حدود البصر.
من ” كاسطييخوس” و”الرينكون” و “كابونيكرو” مرورا بشاطئ “سيدي عبد السلام د لبحر” وصولا إلى ساحل “أزلا”، “أمسا” “تمرابط” “تمرنوت”،”أوشتام”، “وادي لو”، إلى حدود “قاع أسراس” “السطيحات” “أمتار” “الجبهة”، تشهد الوقائع التاريخية ،أن ما كان يسمى بالاستعمار الاسباني، ترك جميع الشواطئ المذكورة أعلاه ،التي كانت في عهدته، نقية بهية ساحرة عذراء ،ليس بها أي بناء إطلاقا، سواء كان منتجعا سياحيا أو مركبا سكنيا على امتداد تلك الربوع.
والسر في ذلك أن الاستعمار الإسباني ر، حيث اعتبر الشواطئ التطوانية منطقة عسكرية خالصة، تابعة للملك العام البحري للدولة، لا يجوز التفريط فيها أو تفويتها للخواص لإقامة بنايات خاصة عليها، باستثناء محطة السكك الحديدية بشاطئ ” النيكرو”، حيث كان يتوقف القطار القادم من مدينة سبتة والمتوجه إلى محطة مدينة تطوان، وبالضبط في المكان الذي توجد به حاليا، بناية متحف الفن الحديث.
قانون منع البناء “تحت الطريق”
فاحترام الشواطئ والمحافظة على الملك البحري لتطوان والناحية، لم يكن محض الصدفة، بل كانت تحميه القوانين الصارمة الصادرة عن مؤسسة الحماية الاسبانية، التي منعت بشكل قاطع البناء تحت الطريق الرئيسية الرابطة بين تطوان ومدينة سبتة، بمعنى أوضح، أن كل بناء تمت إقامته تحت الطريق المذكورة صوب شاطئ البحر، يعتبر بناء مخالفا للقانون، يهدم فورا وبشكل ناجز.
استفاد أبناء تطوان في الخمسينات والستينات وزوارها والعائلات التطوانية، من أيام جميلة على امتداد شواطئ الريفيين “تريس يبيدراس”، “النيكرو”، “كامبينغ سينكو” و”سانية الطريس” التي كانت تتمتع بمياه صافية زرقاء ورمال ذهبية وغطاء نباتي أخضر كثيف يزيد هذه الأمكنة سحرا وبهاء.
لكن في فترة السبعينات والثمانينات ابتليت المنطقة برهط من المقامرين والطحالب السياسية والمجالس المنتخبة، في إطار ما سُمي باللامركزية الإدارية وعدم التركيز الإداري، ومصطلحات القانون العام من قبيل التنمية المجالية وتقوية القدرات المحلية، وغيرها من مفردات “التشلهيب” و”تقامرات”.
وتفشى معهم وباء التراخيص القانونية والغير القانونية لاحتلال الشواطئ والملك العمومي البحري، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الغزاة الجدد لصناعة القبح والبشاعة، وتدمير الشريط الساحلي وطمس معالمه الطبيعية والرمزية والتاريخية.
وهكذا غزا رهط سماسرة الشقق الإسمنتية، والمركبات السكنية الذين لاعلاقة لهم بالتطوير السياحي والفندقي وخلق الثروة المحلية، المنطقة الساحلية، كالجراد الجائع، ونجحوا في تكوين “مركب مصالحي” يجمع بين المضاربين العقاريين، والمنتخبين المرتشين، وممثلي السلطة الفاسدين، فعمدوا من خلال التحايل على القانون بالقضاء على الأخضر واليابس، وحولوا الشواطئ الرائعة تحت شعارات إعادة التأهيل والتنمية، إلى كتل “خرسانية” بشعة الأمر الذي أثر على البيئة البحرية وجودة المياه، وهكذا ضاعت شواطئ تطوان الساحرة إلى الأبد.
باختصار لقد أصبحت شواطئ تطوان بلا روح ولا معنى وفقدت سحرها الأخاذ، حتى مياه البحر فقدت ملوحتها وقوتها العضوية والعلاجية التي كانت تتميز بها في الزمن الجميل، ويبقى السؤال المطروح: لماذا حدث هذا لشواطئ تطوان الرائعة؟.