Diario Calle de Agua

España - Marruecos

Cultura

رواية ة عن مدينة طنجة المدينة للجواسيس الدوليين

طنجة المغربية في الذاكرة بصفتها مدينة كوسموبوليتية، تميزت بعدد من الأحداث والتواريخ والأسماء، خاصة أنها تطل على ملتقى بحري جعل منها رابطة وصل واتصال بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، بين قارتي أفريقيا وأوروبا. 

مع العقود الأولى من القرن الماضي، تحولت مدينة أشهر رحالة في التاريخ العربي (ابن بطوطة)، إلى ملاذ آمن لعدد هائل من الفنانين التشكيليين والموسيقيين والأدباء الغربيين، ممن قصدوها من أصقاع بعيدة مختلفة، أساسا من أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، فقاموا بتشييد ورسم أسطورتها المتداولة حتى اليوم، ومنحوها سمعة مصبوغة بالعالمية. 

ومنذ أصبحت تحت إدارة دولية مشتركة ، انتزعت طنجة بالتدريج مكانة جارتها “الحمامة البيضاء” مدينة تطوان، ذات التاريخ العريق المتصل بأمجاد الحضارة الأندلسية، بما تتميز به من روافد ثقافية متعددة. وعندما سقطت غرناطة سنة 1492، آخر معاقل الأندلس، تولت تطوان مهمة استقبال آلاف النازحين والمطاردين من الفردوس المفقود، من مسلمين ويهود، ليستقروا بها، كما انتشروا بمنطقة الشمال المغربي ككل. 

 عديدة هي القصص والروايات التي تروى عن طنجة، أو مدينة البوغاز،  وكل هذا يفسر الافتنان المستبدّ الذي مارسته عوالم طنجة على الأوربيين والأميركيين على السواء. إذ صنفت ضمن المدن التي تمثل التعايش بين الثقافات والديانات. وبكونها فضاء مثاليا يقال إنه كان في العقود الأولى من القرن العشرين، أكثر تفتحا من أميركا المحافظة، والعيش في طنجة زهيد، ومخدرات الحشيش في متناول اليد ونشوة المخ. أما الجنس الرخيص، بما فيه المصنف ضمن الميولات الجنسية الخاصة، فيكاد يكون نصف مباح، مطروح على الأرصفة وفي الحانات والأماكن المشبوهة، وما أكثرها في طنجة. هكذا شد الرحال إليها كتاب وفنانون أوروبيون وأميركيون من الباحثين عن إشباع رغباتهم الجسدية، أكثر من فضول سياح يودون اكتشاف معالم طنجة التي عاشت خلال ذلك الزمن عصرًا ذهبيًا 

أدباء أميركيون، مثل تنيسي ويليامز، وويليام بوروز، وبول بولز، مع زوجته الكاتبة جين بولز، وجاك كيرواك، وإيرا كوهين، وبيتر أورلوفسكي. ومثل الإيرلندي- الفرنسي صمويل بيكيت، والإيطالي ألبرتو مورافيا، مع زوجته الكاتبة إلسا مورنتي، والفرنسي جان جينه.. 

وبينما أوصى الكاتب الفرنسي جان جينيه، أو “القديس” كما سمّاه جان بول سارتر، بأن يقبر في تراب المغرب، وبعد وفاته (أبريل 1986 نقل جثمانه من فرنسا إلى مدينة العرائش، ليدفن بمقبرة مسيحية قديمة تشرف على المحيط الاطلسي، يرقد بها عساكر اسبان قتلوا في حرب الريف على يد جيش الثائر الأمير عبد الكريم الخطابي. 

  بول بولز فإن الكاتب الأميركي، عندما توفي بسكتة قلبية في المستشفى الإيطالي بطنجة (نوفمبر 1999) عن عمر 88 عاما. لمدينة طنجة، حيث قضى أزيد من نصف قرن (52 سنة). 

طنجة مقترنا بشذرات من حياة بعض مشاهير الكتاب والمبدعين، كما هو شأن الكاتب الأمريكي بول بولز أو صاحب رائعة “الخبر الحافي” محمد شكري، أو الشاعر الكبير أبو بكر اللمتوني، أو المفكر الإسباني خوان غويتيصولو أو الكاتب الفرنسي جان جينيه، فإنه. 

تقترن اليوم طنجة أكثر باسم الكاتب المغربي محمد شكري، صاحب رواية “الخبز الحافي”. كلما أثير اسم طنجة حضر اسمه. لكن طنجة المتعددة لها أكثر من باب وأكثر من وجه وصِفة، أنجبت أدباء وفنانين تشكيليين ومسرحيين وممثلين ومخرجين سينمائيين من العيار الثقيل. 

حيث المهمشين والمنسيين، الذي تختلف نشأته وسيرته عن مسار صاحب “زمن الأخطاء”، استغل خلفيته الثقافية الواسعة  

طنجة المدينة التي تتوسع يوماً بعد آخر، وتزدحم بالقادمين من الأرياف والمناطق المجاورة الذين اختاروا الإقامة بها، تشهد تحولات سريعة في المناحي كافة لتكون “المركز العصبي لحضارتنا، وقلب العاصفة”، كما يقول الأميركي جوسيا سترونغ.. وكل مدينة هي رواية واحدة مهما تعددت نصوصها. 

طنجة المدينة  للجواسيس الدوليين 

خلال القرنين 19 و20 كانت مدينة طنجة تعتبر أرضا آمنة لمجموعة من الجواسيس الدوليين، لتصبح بعدها مصدرا إلهام لمخرجين وكتاب ومنتجين عالميين في كتابة أعمالهم المستوحاة من عمليات التجسس التي شهدتها المدينة. 

كانت مدينة طنجة خلال عقود من القرنين التاسع عشر والعشرين، تعد ملاذا آمنا لمجموعة من العملاء السريين والجواسيس، وذلك لكونها كانت واقعة تحت حكم العديد من الدول. 

كان الجواسيس والعملاء السريون قديما يقصدون مختلف مقاهي المدينة ويجوبون شوارعها، حيث كانت أنشطتهم تشكل مصدر إلهام لمجموعة من الكتاب والمؤلفين ومنتجي الأفلام. وتعود أول عمليات التجسس التي تم الإبلاغ عنها في مدينة البوغاز إلى القرن السابع عشر، وتحديدا عند استيلاء إنجلترا عليها. 

وقد قام الإنجليز بإعادة بناء الميناء الإسلامي الذي مكنهم من السيطرة على مضيق جبل طارق وبالتالي السيطرة على التجارة في كل البحر الأبيض المتوسط. 

وجاء في كتاب آلن مارشل المعنون بـ "الذكاء والتجسس في عهد تشارلز الثاني 1660-1685"، أن "تاريخ الاحتلال الإنجليزي لطنجة كان مضطربا، ولكن لفترة وجيزة في الفترة ما بين 1663-1664 أعطى لمحة مثيرة للاهتمام حول جوانب معينة من التجسس الدبلوماسي". 

وأوضح مارشل في كتابه أن إسبانيا وإنجلترا دخلتا في صراع حول مدينة طنجة لكونها تقع في موقع استراتيجي مميز، حيث حاول الطرفان فرض سيادتهما عليها بشتى الطرق الممكنة، مشيرا إلى أنه آنذاك كان "السبب الرئيسي وراء انتشار التجسس في المدينة يعود إلى العلاقات المضطربة بين إنجلترا وإسبانيا". 

ويشير في كتابه إلى أنه في أحد الأيام روج الإسبان لشائعات حول وجود طاعون في السفن القادمة من طنجة والتي كانت آنذاك تحت الاحتلال الإنجليزي، مما أجبر سفن تشارلز الثاني على القيام برحلة حافلة بالمخاطر من المغرب إلى السواحل الإنجليزية. 

وكانت معظم عمليات التجسس التي كانت تشهدها مدينة طنجة خلال القرن العشرين ترتبط بشكل أساسي بالحرب العالمية الثانية، آنذاك كانت الولايات المتحدة  ترى في المغرب مكانا مفضلا لتنفيذ "عملية الشعلة"، ويقصد بها الغزو الأمريكي البريطاني المشترك لمنطقة شمال أفريقيا الفرنسية أثناء الحرب العالمية الثانية. 

وذكر الكاتب هال فوغان في كتابه "الجواسيس الذين مهدوا الطريق لغزو شمال إفريقيا " أن "مراسلات كانت تصل الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق مدينة طنجة، لكن ليس بين القنصليات، وكان الأمر يستلزم تشفير أو فك رموز جميع الرسائل"، حيث لعبت مدينة طنجة التي استضافت المفوضية الأمريكية، دورا أساسيا في ضمان سرية العملية وخداع نظام فيشي الفرنسي. 

طنجة..ملهمة الأدباء والكتاب 

وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية أصبحت مدينة طنجة الوجهة المثالية للكتاب الذين كانوا يبحثون عن الإلهام، 

"المدينة قد ألهمت جون بوكان (كاتب ومؤرخ سكوتلندي) في كتابة أحد الفصول من روايته التجسسية، مستلهما الأفكار من أسوار أحيائها العربية وشوارعها الضيقة، حيث كانت النساء المحجبات والمهربون والجواسيس يعملون بالتجارة". 

وأوضح فوغان أن السبب وراء توجه الجواسيس إلى مدينة طنجة، هو أنه "في المدينة يمكن لأي شخص الحصول على عملة أجنبية دون الاضطرار إلى تحديد هويته"، مشيرا إلى أوجه التشابه بينها وبين مدينة ليشبونة الأوروبية. 

عن أعمال مجموعة من الكتاب الأمريكيين، بينهم بول بولز وأعضاء مجموعة جيل بيت الذين قرروا الاستقرار في المدينة نظرا لجمال طبيعتها التي كانت تشكل مصدر إلهام لهم، مشيرا إلى أن كتاباتهم تصور ما كان يحدث "وراء الكواليس" في قضية تورط الولايات المتحدة في التجسس ببلدان المغرب الكبير". 

 إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية بنت "بعد فترة وجيزة من نهاية الحرب العالمية الثانية أحد مراكز الإذاعة الأمريكية الرئيسية جنوب مدينة طنجة" ومن جهته شرع "الاتحاد السوفييتي في التخطيط لبناء بنك في طنجة كوسيلة لتحويل الأموال إلى الوطنيين المغاربة". 

 برسالة بعثها بول بولز (مؤلف ومترجم أمريكي قضى معظم حياته في طنجة) إلى الكاتب الأمريكي ويليام رايت يلمح فيها إلى حقيقة أن "الاضطرابات في المدنية ضد الأجانب قبل وبعد استقلال المغرب مباشرة، كانت بتحريض من عملاء روس". 

وإلى جانب الكتاب والأدباء، اعتبر صناع الأفلام السنيمائية أيضا مدينة طنجة مكانا مثاليا لتصوير أفلام تتحدث عن التجسس، من بين هذه الأفلام، الفيلم الإيطالي الاسباني "التجسس في طنجة" الذي أصدر سنة 1965، والذي صور فيه المخرج مدينة طنجة كأنها "مكة العملاء السريين"، بالإضافة إلى فيلم "جاسوسي المفضل" وهو فيلم تجسسي آخر يسلط الضوء على الجانب المظلم للمدينة بطريقة هزلية، وتدور أحداثه حول "ممثل اكتشف وجود تشابه كبير بينه وبين عميل أمريكي مكلف بتوظيف الجواسيس، فقرر الذهاب إلى طنجة من أجل تقمص شخصيته". 

وفي سنة 2007، قام الممثل والمخرج الأمريكي مات ديمون في فيلمه "دي بورن ألتيماتوم" بتعزيز هذه الصورة النمطية عن مدينة طنجة، إذ يتحدث هذا العمل السينمائي عن عميل سري بالوكالة الاستخبارية المركزية فقد ذاكرته، وزار مدينة طنجة في محاولة لاسترجاعها.