بعد مرور مائة عام على معركة أنوال
لقد تم تقسيم منطقة الاستعمار الإسبانية في شمال أفريقيا (1912-1956) إلى منطقتين: واحدة بالقرب من مليلية والأخرى قرب سبتة و في الوسط كانت مدينة الحسيمة، حيث سادت قبيلة عبد الكريم.
كان الجنرال مانويل فرنانديز سيلفستر ينوي غزو المدينة التي طال انتظارها من أجل بسك سيطرته الكاملة على المستعمرة وكان الجنرال قد وصل في يناير 1921 إلى سهل أنوال دون مواجهة أية مقاومة واعتقد أن النصر كان في متناول يده.
قبل قرن من الزمان، تكبّد الجيش الإسباني من واحدة من أكبر الهزائم في تاريخه في منطقة أنوال، وهي بلدة منسية في منطقة الريف المغربية:في غضون 18 يوما، لقي ما بين 000 8 و 500 11 جندي إسباني حتفهم في مواجهة قبائل الريف.
حدثت هذه الهزيمة النكراء قبل قرن من الزمان، بين 22 يوليو و9 أغسطس 1921.
إن منطقة أنوال هي منخفض يوجد بالقرب من قرية يقطنها بضعة مئات من السكان، على مسافة 60 كيلومترا من مدينة و50 كيلومترا من مدينة الناظور.
كان هدف سيلفستر هو احتلال مدينة الحسيمة ، على بعد 30 كيلومترًا من أنوال في خط مستقيم. لكن عبد الكريم نصب له كمينا ففر جنوده في حالة من الفوضى والارتباك في اتجاه مدينة مليلية. كانت الطريق مليئة بالآلاف من الجثث. بين 8000 و 11500
هنا سقط الجنرال سيلفستر قتيلا ، أصغر جنرال في الجيش الإسباني وهو في الخمسين من عمره، ولا يعرف ما إذا كان الجنرال سيلفستر أصيب برصاصة أو انتحر.
وكان معظم القتلى من الجنود المتواضعين، الذين لم يتمكنوا من مغادرة الخدمة العسكرية بدفع مبلغ من المال.
في خضم ذلك الارتباك و الفرار نحو مليلية ظهر فوج الخيالة القنطرة رقم 14. وكان رئيسه هو المقدم فرناندو بريمو دي ريفيرا، شقيق الديكتاتور المقبل ميغيل بريمو دي ريفيرا. هذا الضابط ورجاله ال 691 غطوا انسحاب أكثر من 3000 جندي بتضحية أولئك الذين يعرفون أنهم سيموتون. لقد قاتلوا عدة مرات ضد عدو أقوى منهم وماتوا جميعا
تنعكس الصدمة التي تركتها معركة أنوال على إسبانيا في الأدب مع أعمال مثل La forja de un rebelde لأرتورو باريا ؛ إيمان دي رامون و خ. سيندير
عسكرية كبيره هو عبد الكريم الخطابي (1882-1963)، الذي اشتغل مترجما في خدمة إسبانيا، ثم ساهم في صحيفة “تيليغراما ديل ريف” الإسبانية، وعيّن في عام 1914 في منصب قاضي القضاة في مليلية. أي أعلى سلطة قضائية تفصل في النزاعات بين “السكان الأصليين”.
لقد هزم هذا الرجل الجيش الإسباني وأنشأ جمهورية مستقلة بين عامي 1921 و 1926.
وجاءت مقـاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي كامتداد لهذه المقاومة الريفية في الزمان والمكان، حيث استطاع بفضل كاريزميته وشخصيته القوية هيكلة حركة المقاومة وتنظيمها سياسيا واستراتيجيا وعسكريا ولوجيستيكيا، لتشمل مناطق الشمال بكاملها.
و لقد تميزت حركة محمد بن عبد الكريم الخطابي التحريرية بدقة وإحكام التنظيم، وبالقدرة على الاستقطاب، وبالتخطيط المتقن، وبجودة الأداء وإصابة الأهداف، إذ كانت معركة أنوال في يوليوز سنة 1921 بمثابة الضربة القاضية.
وبفضل الأسلوب المتطور في حرب العصابات، وبعد مواجهات ضارية مع قوات الاحتلال، التي قادها الجنرال “سيلفستر” الذي اشتهر بخبرته وتجربته العسكرية، عجز واضطر إلى الانسحاب والتراجع، فلاحقه المجاهدون الريفيون بقيادة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي، وتوجت هذه المعركة الكبرى.
ومن نتائج معركة أنوال ما غنمه الريفيون من عتاد عسكري حديث،في هذا الصدد يقول عبد الكريم في مذكراته أيضا: ” ردت علينا هزيمة أنوال 200 مدفع من عيار 75 أو 65 أو 77، وأزيد من 20000 بندقية ومقادير لا تحصى من القذائف وملايين الخراطيش، وسيارات وشاحنات، وتموينا كثيرا يتجاوز الحاجة، وأدوية، وأجهزة للتخييم، وبالجملة، بين عشية وضحاها وبكل ما كان يعوزنا لنجهز جيشا ونشن حربا كبيرة، وأسرنا 700 أسير، وفقد الإسبان 15000 جندي ما بين قتيل وجريح “.
وبعد أن منيت القوات الاستعمارية خلال معركة أنوال بهزيمة ثقيلة أربكت حسابات.
وبالرغم من تحالف قوات الاستعمارين الاسباني والفرنسي، استطاع محمد بن عبد الكريم الخطابي وأنصاره الصمود في وجه قوات الظلم لمدة سنة كاملة، دخل خلالها في مفاوضات مع قيادتيهما، حيث جرت عدة لقاءات ومحادثات مع القوتين العسكريتين، أسفرت عن قبول شرط إيقاف الحرب الريفية دون تسليم الأسلحة.
وبعد أن تبين للقائـد محمد بن عبد الكريم الخطابي أن هذه الحرب غير متكافئة بين الجانبين، فضل تسليم نفسه للمحتل الفرنسي حقنا للدماء صبيحة يوم 26 ماي 1926.
وفي خضم تلك الكارثة، ظهر نبل قادة الجيش في شخصية اللواء خوان بيكاسو، عم الرسام بابلو بيكاسو الشهير وهو من مدينة مالقة. لقد كُلّفَ بالتحقيق فيما حدث في معركة أنوال وبعد تسعة أشهر من العمل، قدم إلى مجلس النواب تقريرا من 433 2 صفحة، هي ملف بيكاسو الشهير.
وقد دفعت الشهادات العديدة التي جمعها العديد من الناس إلى أن يشيروا إلى ألفونسو الثالث عشر كأحد الجناة الرئيسيين المسؤولين عن الكارثة فشعر الملك أنه في خطر واختار أن يدعم ديكتاتورية بريمو دي ريفيرا (1923-1930)
ثم جاء النظام الجمهوري وغادر الملك ألفونسو الثالث عشر نحو المنفى. ثم جنّد فرانسيسكو فرانكو حوالي 80,000 مغربي لمحاربة الإسبان الذين يدافعون عن دستور عام 1931.
في حين أن ذكرى أنوال في المغرب لا تكاد تذكر ، كما أن صورة عبد الكريم موجودة في العديد من المنازل في الريف، خلف الأبواب المغلقة. ولكن لا أحد يشيد بإرثه في الأماكن العامة.
سهل أنوال حيث يوجد اليوم بالكاد نصب تذكاري صغير رسم عليه وجه عبد الكريم الخطابي ولوحة مكتوبة باللغة العربية حيث تقول: “حافظ على تاريخك”.
كما سيتم بالمناسبة تنظيم ندوة فكرية في موضوع “معركة أنوال: فصل من فصول روائع الكفاح الوطني” بمساهمة أساتذة جامعيين باحثين ،وسيتم تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.
وقال المؤرخ الإسباني، دانيال ماسياس، في مؤلفه الجديد الذي قام بتنسيقه ويضم شهادات وتصريحات لمتخصصون يناقشون فيه معركة أنوال من وجهات نظر سياسية واجتماعية وصحافية وعسكرية،نُشر الأسبوع الماضي بعنوان: “مائة عام على أنوال”.