الصحراء في السرديات الإسبانية
هذا الصدد محاولة كل من دومنغو باديا “علي باي العباسي” في واجهة التأسيس لهذا النوع من الاستكشاف المعرفي المغطى بأقنعة البحث والاستقصاء؛ فتارة يتم التنكر برداء الدين، إسلاما كان أو يهودية، وتارة يتم إرسال مبعوثين لجلب الأخبار والمعطيات التي تقصد بلاد المغرب.
سبق لدومنغو باديا أن تنكر في زي رجل مسلم، وكان يستفسر المغاربة المتوجهين إلى آداء مناسك الحج زمن الاحتلال الفرنسي للجزائر عن بعض المناطق المغربية.
بهذه الوسيلة تمكن دومنغو باديا من جمع بعض المعلومات النفيسة عن المجال المغربي من وجهة نظر استخباراتية.
شكلا، ينتمي نص الاسباني خواكيم ݣاتيل Joaquin Gatell ومن حيث الأهمية، يضعنا النص أمام وجهة نظر اثنوغرافية.
أنها غير مسبوقة، تُعيد إلى الأذهان النصوص الإستخباراتية المُبكرة التي تشوفت نحو استكشاف الجنوب المغربي منذ حدوث واقعة تطاون 1860 الشهيرة.
الغِطاء الاستخباراتي للرحلة أي, من الناحية العلمية، يتعلق الأمر بنص رحلي غني ودسم، يجود بمعطيات إثنوغرافية فريدة، وجد دقيقة عن مناطق متفرقة من جنوب قبل الحضور الاستعماري الاسباني.
ويعمد في باقي صفحاته إلى تقديم تشريح مِجهري للبنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقدية لمغرب ما قبل الاستعمار.
خواكيم ݣاتيل. لَبِس ݣاتيل قناعين في مهمته الاستكشافية حول المغرب التي استغرقت حوالي أربع سنوات (1862-1866)، فهو في البداية، ارتدى بِدلة الرجل العسكري الذي يستجلب معه خبرة الرجل الأبيض إلى جيش السلطان المغربي محمد بن عبد الرحمان.
لحظتها، كان السلطان يخوض حملات عسكرية تأديبية ضد القبائل السائبة بسبب تمردها عن تأدية الضرائب، وميلها الفطري إلى العصيان.
وفي مستوى ثان يرتدي بدلة الطبيب الذي يجوب الصحراء ومنطقة سوس، ويتشوف الوصول إلى تمبوكتو. آنئذ ضمَّن رحلته إلى الصحراء تقريرا مُفصلا عن المناطق القبلية التي تحرك فيها، ورسم حدودها ومعالم جغرافيتها، ورصد مواردها ومنتجاتها، ونقل تقاصيلا عن مناخها ووضعها الصحي وبِنية سكانها.
ورصد مواردها ومنتجاتها، ونقل تقاصيلا عن مناخها ووضعها الصحي وبِنية سكانها، واقترب من مراكزها السكانية ومكوناتها القبلية، وطريقة تسييرها الإداري ومواردها المائية، كما أحال على معاشها واقتصادها…
من الناحية المنهجية، تُحيل قراءة تجربة خواكيم ݣاتيل من أكاديمي إسباني منشغل بقضايا فكرية كبرى، ومترجم القرآن إلى القشتالية…إلى جاسوس سري يتقصى الأخبار والمعطيات داخل المغرب، ويعمل على بعثها إلى أجهزة الاستخبارات الإسبانية.
خواكيم ݣاتيل ينزع على الدوام في معرض تقديمه إلى أن رحلته صوب المغرب رحلة شخصية، يُحركها دافع حب المغامرة والاستكشاف، والانتصار لفهم المجتمعات الخارجة عن الإثنومركزية الأوروبية.
هذا المسار الاستكشافي سيجعله بالصدفة يلتقي مع مستكشف وطبيب ألماني يدعى جيرار رولف، وكانت قد نشأت بينهما علاقة صداقة حميمية، قبل أن يُعلنا الفراق.
وحده هذا الحادث يؤكد على وقتها كان مسرحا لصراع المشاريع الإستخباراتية الأوروبية التي كانت تراهن على الفهم العلمي قبل الغزو العسكري.
صمَّم خواكيم ݣاتيل على شد الرحال صوب الصحراء عبر منطقة سوس، وتنكر في ثوب طبيب يحمل معه أدوية وعقاقير لبدو الصحراء ورُحَّالها، في ظرفية كانت فيه منطقة سوس تحبل بتطاحنات قبلية ساخنة بين أولاد مشدوف الممتهنة لعمليات السطو، وقبائل أولاد دليم المتحكمة في الأزغار والمياه، وهي الرحلة التي كادت أن تُفقده حياته عدة مرات بسبب وقوعه في شباك قطاع الطرق أو بعض القبائل.
رغم ذلك لم يثنه ذلك على تحدي الموت في الصحراء ومعاودة المحاولة مرات ومرات. وبهذا، تمكن خواكيم ݣاتيل من اختراق الأطلس الكبير عبر مسالكه الوعرة، ووصل إلى تارودانت ومنها إلى كلميم عاصمة واد نون، التي أقام فيها عند واحد من أعيان قبيلة واد نون يدعى الحبيب بن بيروك.
ما يشد الانتباه في رحلة خواكيم ݣاتيل نحو الجنوب المغربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، هو توقفه عند الصراعات بين القبائل المغربية، ومنها بين قبائل واد نون وقبائل أزوافيط حول آبار وادي شبيكة، هاته الصراعات التي كانت دائما تدور حول المياه ومصادر الحياة.