Diario Calle de Agua

España - Marruecos

Política

عقب رحيل ليونيل جوسبان إلى الواجهة ذكريات صداقة إنسانية جمعته بعبد الرحمن اليوسفي

فقدت الحياة السياسية الفرنسية برحيل ليونيل جوسبان أحد أبرز وجوهها المضيئة و الاستثنائية خلال القرن الماضي وبداية القرن الحالي كما فقد اليسار الفرنسي و خصوصا الحزب الاشتراكي أحد أعظم قادته التاريخيين .. الذي عرف كرجل المبادئ بنزاهته الصارمة التي جعلته يحظى باحترام الخصوم قبل الأصدقاء …

​لقد استطاع جوسبان إخراج الحزب الاشتراكي من أزمة عميقة خلال تسعينات القرن الماضي .. و قاده نحو فوز تاريخي بتشريعيات 1997 بعد قرار الرئيس الراحل شيراك حل الجمعية الوطنية .. فكان أحد طرفي أطول و أنجح فترة " تعايش" سياسي بين اليسار واليمين في تاريخ الجمهورية الخامسة …أسس نجاح حكومة " اليسار التعددي " التي ترأسها (1997 - 2002) من خلال رؤية تجمع بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.

في هذا المقال، يستحضر المناضل الاتحادي إبراهيم أوشلح، رفيق عبد الرحمن اليوسفي في المنفى خلال سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وصاحب كتاب “المغرب: كتاب جيل” (وهو عبارة عن مذكراته)، ذكريات إنسانية وسياسية عميقة تجمع بين شخصيتين بارزتين في تاريخ اليسار، هما عبد الرحمن اليوسفي وليونيل جوسبان. ويأتي هذا الاستحضار على خلفية وفاة جوسبان، بما أعاد إلى الواجهة ملامح صداقة نادرة طبعتها قيم النضال المشترك والوفاء.

يرسم الكاتب من خلال هذه الشهادة صورة لمرحلة سياسية متميزة، كانت فيها الروابط الإنسانية بين القادة تتجاوز حدود البروتوكول، وتعكس روح التضامن الأممي داخل الحركة الاشتراكية. كما يبرز كيف استمرت تلك العلاقات حتى بعد مغادرة المسؤوليات الرسمية، محافظة على عمقها وخصوصيتها بعيدًا عن الأضواء.

وفي ما يلي نص المقال:

ليونيل جوسبان وعبد الرحمن اليوسفي: ذكرى صداقة

توفي اليوم ليونيل جوسبان، الوزير الأول الفرنسي الأسبق. وقد أعادت هذه الوفاة إلى ذهني ذكرى دقيقة وعميقة البعد الإنساني.

في 2 أكتوبر 1998، وخلال مأدبة العشاء الرسمية التي أقيمت في باريس على شرف عبد الرحمن اليوسفي، الذي كان آنذاك الوزير الأول للمغرب في زيارة رسمية، خاطبه ليونيل جوسبان في كلمته الرسمية بصيغة المخاطبة المباشرة (التودد بـ”أنت”). لم يكن ذلك مجرد خرق عابر للبروتوكول، بل كان تعبيرًا عن صداقة قديمة، صقلتها سنوات طويلة من التقدير والنضال والأخوة الاشتراكية. كما أن تقاليد الحركة الاشتراكية الدولية لطالما اعتبرت هذا الأسلوب في الخطاب تعبيرًا عن قرب نضالي يتجاوز المناصب والرتب.

لاحقًا، وبعد أن غادر الرجلان مسؤولياتهما، أتيحت لي فرصة المساهمة في الحفاظ على هذا الرابط. فمع كل زيارة لعبد الرحمن اليوسفي إلى باريس، كنت أعيد الاتصال بليونيل جوسبان، محتفظًا برقم هاتفه الشخصي لهذا الغرض. وكانت لقاءاتهما تتم في هدوء، كما يليق بالصداقة الحقيقية، بعيدًا عن ضجيج العلن وآذان الفضوليين.

وأستحضر أيضًا اللقاء الأول بين سي عبد الرحمن اليوسفي وفرانسوا هولاند، الذي كان حينها الكاتب الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي. وقد جرى هذا اللقاء في باريس، داخل فندق قريب من ساحة النجمة، بحضور كل من فتح الله ولعلو وبيير موسكوفيتشي. ولا أنسى الحماس الذي أبداه فرانسوا هولاند، حين قال لعبد الرحمن اليوسفي إن الوقوف إلى جانبه يمنحه شعورًا بأنه أمام أحد كبار رموز الاشتراكية، في امتداد لمدرسة جان جوريس وليون بلوم.

 تعود هذه الذكريات بقوة. إنها تحكي عن زمن، وعن وفاء، وعن تصور معين للسياسة، وعن تلك الكرامة النادرة التي تصمد أمام تقلبات المسؤوليات ومرور الزمن.